القرطبي

338

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

من أهل العلم أن الذمي لا يعطى من زكاة الأموال شيئا ، ثم ذكر جماعة ممن نص على ذلك ولم يذكر خلافا . وقال المهدوي : رخص للمسلمين أن يعطوا المشركين من قراباتهم من صدقة الفريضة لهذه الآية . قال ابن عطية : وهذا مردود بالاجماع . والله أعلم . وقال أبو حنيفة : تصرف إليهم زكاة الفطر . ابن العربي : وهذا ضعيف لا أصل له . ودليلنا أنها صدقة طهرة واجبة فلا تصرف إلى الكافر كصدقة الماشية والعين ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " أغنوهم عن سؤال هذا اليوم " يعنى يوم الفطر . قلت : وذلك لتشاغلهم بالعيد وصلاة العيد وهذا لا يتحقق في المشركين . وقد يجوز صرفها إلى غير المسلم في قول من جعلها سنة ، وهو أحد القولين عندنا ، وهو قول أبي حنيفة على ما ذكرنا ، نظرا إلى عموم الآية في البر وإطعام الطعام وإطلاق الصدقات . قال ابن عطية : وهذا الحكم متصور للمسلمين مع ( 1 ) أهل ذمتهم ومع المسترقين من الحربيين . قلت : وفى التنزيل " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ( 2 ) " والأسير في دار الاسلام لا يكون إلا مشركا . وقال تعالى : " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ( 3 ) " . فظواهر هذه الآيات تقتضي جواز صرف الصدقات إليهم جملة ، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم خص منها الزكاة المفروضة ، لقوله عليه السلام لمعاذ : " خذ الصدقة من أغنيائهم وردها على فقرائهم " واتفق العلماء علن ذلك على ما تقدم . فيدفع إليهم من صدقة التطوع إذا احتاجوا ، والله أعلم . قال ابن العربي : فأما المسلم العاصي فلا خلاف أن صدقة الفطر تصرف إليه إلا إذا كان يترك أركان الاسلام من الصلاة والصيام فلا تدفع إليه الصدقة حتى يتوب . وسائر أهل المعاصي تصرف الصدقة إلى مرتكبيها لدخولهم في اسم المسلمين . وفى صحيح مسلم أن رجلا تصدق على غنى وسارق وزانية وتقبلت صدقته ، على ما يأتي بيانه في آية الصدقات ( 4 ) . الثالثة - قوله تعالى : ( ولكن الله يهدى من يشاء ) أي يرشد من يشاء . وفى هذا رد على القدرية وطوائف من المعتزلة ، كما تقدم .

--> ( 1 ) في ابن عطية : متصور للمسلمين اليوم مع الخ . ( 2 ) راجع ج 19 ص 125 ( 3 ) راجع ج 18 ص 58 ( 4 ) راجع ج 8 ص 167